يحل يوم الوفاء للصحفي الفلسطيني في ختام عام 2025، لا بوصفه يوماً عادياً، بل كشهادة إنسانية تنحاز للحقيقة، وتوثق تضحيات صحفيين حملوا الكلمة وسط الموت والحصار.
ففي عام 2025، لم يكن الصحفيون الفلسطينيون مجرد ناقلين للخبر، بل تحولوا إلى خط الدفاع الأول عن الذاكرة والكرامة الإنسانية في قطاع غزة، وهم يواجهون آلة قتل ممنهجة سعت لإسكات الصوت وكسر الصورة وطمس الحقيقة.
"صحفيون في مرمى الاستهداف المباشر"
أكد المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة أن الصحفيين الفلسطينيين كانوا شهوداً مباشرين على المجازر والانتهاكات الإسرائيلية، ينقلون الوقائع من قلب الحدث، وسط ظروف قصف وحصار وتجويع، ودفعوا مقابل ذلك ثمناً باهظاً من دمائهم وحياتهم وأمنهم الشخصي.
وبحسب توثيق رسمي صدر بمناسبة يوم الوفاء للصحفي الفلسطيني (31 ديسمبر/كانون الأول)، فقد عكست أرقام عام 2025 حجم الاستهداف الممنهج للصحافة الفلسطينية، حيث أسفرت الجرائم الإسرائيلية عن:
- استشهاد 56 صحفياً أثناء تأدية واجبهم المهني.
- اختفاء 3 صحفيين لا يزال مصيرهم مجهولاً منذ بدء حرب الإبادة.
- إصابة أكثر من 420 صحفياً بجراح متفاوتة.
- اعتقال وتعذيب 50 صحفياً في انتهاك صارخ لكافة القوانين والمواثيق الدولية.
وحتى اليوم، ارتفع عدد الصحفيين الذين استشهدوا في قطاع غزة إلى 257 صحفياً جراء استهدافات إسرائيلية مباشرة، في محاولة واضحة لمحاصرة الرواية الفلسطينية وإسكات شهود الحقيقة أمام الرأي العام العالمي.
"كشفوا جرائم الحرب وزيف الدعاية"
لم يكن الصحفي الفلسطيني ناقلاً محايداً للحدث فقط، بل شريكاً في معركة الوعي والكرامة الإنسانية.
فقد نجح هؤلاء، رغم القتل والتجويع والاستهداف، في كسر زيف الدعاية الإسرائيلية، وكشف سرديتها المضللة، وإيصال حقيقة ما يجري إلى العالم.
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي أن الصحفيين الفلسطينيين صنعوا الرواية الصادقة التي عرت جرائم الحرب، وفضحت سياسات التعتيم، مجدداً العهد لأرواح شهداء الصحافة بأن تظل رسالتهم حية، وأن تستمر الجهود القانونية والإعلامية لملاحقة الاحتلال الإسرائيلي على جرائمه حتى ينال الجناة جزاءهم العادل.
"استهداف عائلات الصحفيين"
ووفق نقابة الصحفيين الفلسطينيين، لم يقتصر الاستهداف على القتل أو الإصابة أو الاعتقال أو منع التغطية، بل اتخذ بعداً أكثر وحشية تمثل في استهداف عائلات الصحفيين وأقاربهم، في مسعى واضح لتحويل العمل الصحفي إلى عبء وجودي يدفع ثمنه الأبناء والزوجات والآباء والأمهات.
فقد وثقت لجنة الحريات في النقابة مقتل 706 أشخاص من عائلات الصحفيين في قطاع غزة منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في واحدة من أخطر صور العقاب الجماعي التي تستهدف كسر الصحفي نفسياً وإنسانياً.
"عزل غزة إعلامياً.. وترك الصحفي الفلسطيني وحيداً"
منذ بدء الحرب، منعت إسرائيل الصحفيين الدوليين من دخول قطاع غزة بشكل مستقل، تاركة الصحفيين الفلسطينيين وحدهم في الميدان، يواجهون الموت والقصف، ويتحملون عبء التغطية من الخطوط الأمامية دون حماية أو ضمانات.
واعتبر مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين أن هذا المنع إجراء غير مسبوق أسهم في عزل غزة إعلامياً، وأعاق التحقق الميداني المستقل، وسمح بتمرير روايات مشوهة بعيداً عن أعين الإعلام الدولي.
"أسوأ مجزرة بحق الصحافة في التاريخ الحديث"
وصف استشهاد الصحفيين في غزة بأنه الأسوأ في تاريخ الصحافة، إذ تجاوز عدد الضحايا مجموع الصحفيين الذين قتلوا في الحرب الأهلية الأمريكية، والحربين العالميتين الأولى والثانية، وحروب كوريا وفيتنام ويوغسلافيا وأفغانستان مجتمعة، وفق ما خلص إليه مشروع “تكاليف الحرب” التابع لجامعة براون الأميركية.
"وفاء لا يختصر بيوم"
في يوم الوفاء للصحفي الفلسطيني، تتجدد الحقيقة المؤلمة:
أن الكاميرا كانت هدفاً، والقلم كان جريمة، والحقيقة كانت تعاقب بالموت.
ومع ذلك، لم يتراجع الصحفيون الفلسطينيون، ولم تنكسر رسالتهم، وبقوا أوفياء لحق الشعوب في المعرفة، ولو كان الثمن حياتهم.
هذا التقرير ليس مجرد رثاء، بل انحياز أخلاقي وإنساني للصحفيين الفلسطينيين، بوصفهم حراس الحقيقة وشهداء الكلمة، في زمن صار فيه نقل الواقع فعلاً من أفعال المقاومة الإنسانية.
