تعيش محافظة حضرموت حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار، في ظل مشهد أمني معقد يتداخل فيه العسكري بالسياسي، فيما تتحمل الفئات المدنية الكلفة الأساسية بعدما وجدت نفسها في قلب صراع نفوذ متصاعد.
ورغم الإعلان عن توقف الغارات الجوية السعودية على مناطق تمركز قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، والتوصل إلى تفاهمات أولية تقضي بانسحاب تلك القوات من حضرموت وسيئون، إلا أن آثار التصعيد السابق ما تزال حاضرة بقوة، حيث سجلت حالات نهب وسلب للممتلكات العامة والخاصة، ما أجبر الأهالي على إطلاق مناشدات للمجلس الرئاسي للتدخل ووضع حد لحالة الانفلات الأمني.
وبحسب مصادر محلية، أسفرت الغارات عن سقوط ضحايا من عناصر المجلس الانتقالي، إضافة إلى مواطنين مدنيين، الأمر الذي فاقم حالة الخوف والقلق لدى السكان، وأثر بشكل مباشر على حياتهم اليومية وأمنهم المعيشي.
وفي أحدث التطورات الميدانية، تم السماح لعدة وحدات من قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعومة إماراتياً، بالانسحاب من منطقة الأدواس الواقعة بين المكلا وسيئون باتجاه مدينة عدن، بعد تسليم الأسلحة الثقيلة والمركبات المدرعة، مع السماح لها بالخروج بأسلحتها الشخصية.
كما جرى تسليم تلك المناطق لقوات "درع الوطن" الممولة من المملكة العربية السعودية، في خطوة وصفت بأنها إعادة ترتيب عسكري، لكنها لم تترجم حتى الآن إلى استقرار فعلي ينعكس إيجابًا على الوضع الإنساني.
وعلى الصعيد السياسي، وبعد ممارسة ضغوط عسكرية واضحة، دعت الرياض إلى عقد مؤتمر حوار برعايتها يضم المكونات الجنوبية، في وقت أعلن فيه المجلس الانتقالي موافقته على الانخراط في هذا المسار، وسط تساؤلات شعبية حول جدوى هذه الحوارات في ظل استمرار التدخلات الخارجية.
إن تحويل حضرموت وسيئون إلى ساحة صراع إقليمي بين أطراف خليجية، وعلى رأسها السعودية والإمارات، وما يرتبط بذلك من أدوار غير مباشرة لقوى دولية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا إضافة إلى الكيان الإسرائيلي، أسهم في تعقيد المشهد، وأبعد فرص الحلول الوطنية الخالصة، وترك المدنيين يواجهون تبعات الصراع دون حماية كافية.
ومع استمرار هشاشة الوضع الأمني، تتجه الأوضاع الاقتصادية والإنسانية نحو مزيد من التدهور، حيث يعاني المواطنون من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتعطل مصادر الدخل، وتراجع الخدمات الأساسية، في ظل غياب رؤية واضحة تضع مصلحة الإنسان اليمني في مقدمة الأولويات.
إن معاناة حضرموت مرشحة للتفاقم ما دامت القرارات المصيرية تُتخذ خارج الإرادة الوطنية، وما لم يتم تحييد المدنيين عن الصراعات العسكرية والسياسية، وتغليب مصلحة الوطن والشعب اليمني فوق كل اعتبار، بوصف ذلك مدخلًا أساسيًا لأي استقرار حقيقي ومستدام.
