مع انطلاق العام الدراسي، وبينما كان أطفال غزة يستعدون للعودة إلى مقاعد الدراسة، كانت عائلاتهم تستعد لتشييعهم في جنازة جماعية مهيبة، بعدما تحولت أحلامهم الصغيرة إلى رفات وعظام انتُشلت من تحت أنقاض المنازل التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي.
بأيادٍ خاوية، تمكن الأهالي وفرق الإنقاذ في حي الزيتون بمدينة غزة من انتشال رفات وعظام ضحايا بقوا تحت الركام، في مشهد تختزل فيه غزة واحدة من أقسى صور المأساة الإنسانية التي خلفها العدوان الإسرائيلي.
وضمت الجثامين والرفات المنتشلة من تحت أنقاض منازل عائلة ملكة نحو 70 طفلاً، قُتلوا إثر قصف منازلهم دون إنذار، ليعودوا إلى أهلهم بعد أن غيبهم الركام، لكن في صناديق تحمل بقايا أجسادهم، بدلاً من حقائب المدرسة التي كان يفترض أن يحملوها في أول يوم دراسي.
وشيعت الجنازة الجماعية الثالثة في القطاع، ملفوفة بالأعلام الفلسطينية، لتتحول مراسم التشييع إلى شهادة حية على حجم المأساة التي عاشها المدنيون، وعلى الثمن الباهظ الذي دفعه الأطفال والنساء وسط استمرار الدمار وفشل المجتمع الدولي في وضع حدّ للانتهاكات الإسرائيلية بحق المدنيين.
ولا تحمل هذه الجنازات مجرد أسماء ضحايا، بل توثق ذاكرة عائلات فقدت أبناءها وأطفالاً حُرموا من حقهم الطبيعي في الحياة والتعليم والأمان، بينما بقيت رفاتهم شاهدة على ما جرى لهم من جرائم أمام مرأى ومسمع من العالم.
ويحاول الأهالي من خلال تشييع الضحايا ودفن رفاتهم استعادة ما تبقى من كرامة الموتى، وترسيخ تفاصيل المأساة في ذاكرة الأجيال القادمة، حتى لا تمحى جرائم الكيان الإسرائيلي من الذاكرة، وحتى تبقى أسماء الأطفال الذين غادروا الحياة قبل أن يكبروا حاضرة في وجدان من بقي خلفهم.
وتبقى العظام والرفات التي انتُشلت من تحت الركام شاهدة صامتة على حجم الدمار الذي طال المدنيين في قطاع غزة، وعلى مآسٍ لا تنتهي بانتهاء القصف الإسرائيلي، بل تستمر حتى لحظة انتشال الضحايا ودفنهم، لتروي الأجيال القادمة حكاية أطفال كان يفترض أن يبدأوا عامهم الدراسي، فإذا بهم يشيعون في جنازة جماعية.
